ابن حزم

348

رسائل ابن حزم الأندلسي

عن من لا تقدر عليه ولا يقدر عليك . فالأول ذل ومهانة وليس من الفضائل ، والرأي لمن خشي ما هو أشد مما يصبر عليه ، المتاركة والمباعدة ، والثاني فضل وبر وهو الحلم على الحقيقة ، وهو الذي يوصف به الفضلاء ، والثالث ينقسم قسمين : إما أن يكون الجفاء ممن لم يقع منه إلا على سبيل الغلطة والوهلة ويعلم قبح ما أتى به ويندم عليه ، فالصبر عليه فضل وفرض ، وهو حلم على الحقيقة ، وأما من كان لا يدري مقدار نفسه ويظن أن لها حقاً يستطيل به ، فلا يندم على ما سلف منه ، فالصبر عليه ذل للصابر وإفساد للمصبور عليه ، لأنه يزيد استشراء ، والمقارضة له سخف ، والصواب إعلامه بأنه كان ممكناً أن ينتصر منه ، وأنه إنما ترك ذلك استرذالاً له فقط ، وصيانة عن مراجعته ، ولا يزاد على ذلك . وأما جفاء ( 1 ) السفلة فليس جوابه الا النكال وحده . 47 - من جالس الناس لم يعدم هماً يؤلم نفسه ، وإثماً ( 2 ) يندم عليه في معاده ، وغيظاً ينضج كبده ، وذلاً ينكس همته . فما الظن بعد بمن خالطهم وداخلهم والعز والراحة والسرور والسلامة في الانفراد عنهم ، ولكن اجعلهم كالنار تدفأ ( 3 ) بها ولا تخالطها . ( 4 ) 48 - [ لو لم يكن في مجالسة الناس الا عيبان لكفيا ، أحدهما : الاسترسال عند الأنس بالأسرار المهلكة القاتلة التي لولا المجالسة لم يبح بها البائح ، والثاني : مواقعة الغلبة المهلكة في الآخرة ، فلا سبيل إلى السلامة من هاتين البليتين إلا بالانفراد عن المجالسة جملة ] . 49 - لا تحقرن ( 5 ) شيئاً من عمل غد أن ( 6 ) تحققه بان تعجله

--> ( 1 ) ص : جواب . ( 2 ) ص : وانما . ( 3 ) ص : تدن . ( 4 ) زاد في ص : ليلة . ( 5 ) ص : لا تؤخر لا تحقرن . ( 6 ) ص : لا لأن .